Home »   Print

Dr. Mohammad Mustafa's address at Birzeit University -- 5/12/2017 -- Arabic

الاقتصاد الفلسطيني اليوم هو اقتصاد مجزأ، فمعنا اليوم اقتصاد القدس، والذي له حدوده الجغرافية وقوانينه التي تحكمه إلى حد ما بسبب وقوعه تحت الاحتلال بشكل مباشر، هناك اقتصاد قطاع غزة نتيجة الحصار الواقع على القطاع، وغزة منطقة جغرافية منفصلة إلى حد ما، وفي ضوء المنظومة التي تحكم قطاع غزة اليوم، فأستطيع القول بدون مبالغة بأنه اقتصاد شبه مستقل، وهنا أيضا يوجد اقتصاد في الضفة الغربية إن استطعنا القول، كما أنه يمكن القول أن هناك اقتصاد في مناطق (أ) و(ب) واقتصاد في مناطق (ج)، لأن تحقيق التنمية في مناطق (ج) هي أصعب بكثير.

 

وبالتالي لا شك أن الاقتصاد الفلسطيني هو اقتصاد مجزأ نتيجة الأوضاع السياسية، خاصة في القدس وغزة، لذلك فإن أية محاولة للتنمية ستكون محددة بشكل كبير ومتأثرة بهذا السياق السياسي العام الموجود في الوطن، فهذه هي البيئة العامة التي يعمل الصندوق ضمنها.

 

ثانياً: أحب أن أشير إلى ثلاث كلمات أو نقاط رئيسية هي: Return, Impact and Innovation

 

  1. Return: عائد على الاستثمار
  2. Impact: التأثير الاقتصادي الاجتماعي التنموي
  3. Innovation: الابداع

ونحن في صندوق الاستثمار ندعي أن علينا مهمة تحقيق عائد على الاستثمار، والعائد مهم ونحن نهدف إلى تحقيق العائد، لكن ومنذ سنوات نركز على تحقيق عنصر آخر في عملنا وهو التأثير، بمعنى تحقيق تأثير إيجابي على مؤشرات اقتصادية معينة، ومؤشرات اجتماعية معينة، والتي نتامل من خلالها أن يكون لنا مساهمة في عملية التحول الاقتصادي في الوطن. وثالثا الإبداع وخاصة في المرحلة القادمة حيث أن الكل يشهد أن هناك تحول عالمي كبير يجري أمامنا، له أسباب متعددة، ومن أهم أسبابه هو التغير الهائل الحاصل في قطاع التكنولوجيا، والذي يلامس كافة قطاعات الحياة كالتعليم والصحة والمال والطاقة ومختلف مجالات الحياة، وهذه التكنولوجيا تؤشر إلى تغير هائل، بحيث أنه من يستطيع استغلال والتعامل مع هذه التكنولوجيا، وينخرط فيها من أجل المساهمة في تطويرها سيكون مع الرابحين، في حين من سيتأخر في استغلالها والاستفادة منها سيكون مع الأسف من المتخلفين.

 

لذلك، أمامنا في الصندوق مجموعة من التحديات: أولا تحقيق عائد على الاستثمار، وثانيًاً أن يكون لهذا الاستثمار تأثير إيجابي على الاقتصاد والمجتمع، وثالثاً أن نساهم في تحسين مستوى الإبداع في الوطن، من أجل التفاعل مع المتغيرات والتطورات الحاصلة في العالم وخاصة في قطاع التكنولوجيا.

 

لذلك نحاول في الصندوق التركيز على تحقيق مجموعة من المؤشرات، يمكن تلخيصها في الثلاث نقاط التي ذكرتها وهي العائد، والتأثير، والابتكار.

فيما يتعلق باستراتيجية الصندوق الحالية، فبطبيعة الحال كأي مؤسسة أخرى فإن الاستراتيجية مع الوقت تتغير، عند نشأة الصندوق في 2003 بدأ كمحفظة مالية تستثر بالأساس لتحقيق عائد ربحي، ولم يكن مطلوب من الصندوق في موضوع المساهمة في عملية التنمية، لأنه مع بداية نشأة الصندوق وبداية السلطة الوطنية الفلسطينية كانت الأوضاع مختلفة، حيث نستطيع أن نقول أنه في ذلك الوقت كانت عملية التنمية تتم من خلال الاستثمار العام وبدعم وتمكين كبير من الدول المانحة.

 

لذلك، كان دور الصندوق هامشي في هذا الموضوع، بحيث أنه تم تجميع مجموعة من أصول السلطة تحت جسم معين بمسمى صندوق الاستثمار، من أجل أن يدار بشكل جيد، ويحقق عائداً معقولا على الاستثمار، لكن تغير الظروف أدى إلى تبني استراتيجية جديدة يعمل الصندوق من خلالها.

 

من المهم تشخيص التحول الاقتصادي المحيط بالصندوق، فهو الإطار الاقتصادي العام الذي يحكم العمل، فنستطيع  القول أن الاقتصاد الفلسطيني في العشر سنوات الأخيرة تميز ببطء شديد في النمو، مستويات منخفضة في الدخل، نسب مرتفعة من البطالة، هذه سمات مقلقة ولا بد من العمل على تغييرها، معدل النمو الاقتصادي عام 2016 كان أقل من 3%، في حين 2015 كان 1%، عام 2014 وصل إلى -1%، قبل 10 سنوات كان معدل النمو حوالي 10%، في حين أعوام 1996، 1997، 1998، وصل النمو إلى 16%، 17%، 18% على التوالي.

 

انخفاض معدل النمو من 15-1 يتضح أن هناك تراجع كبير ومقلق جدا، وهذا يعني أن الاقتصاد غير قادر على النمو بوتيرة كافية لخلق عدد من فرص العمل الكافية، وبالتالي لا بد من العمل على تغيير معدلات النمو، لذلك لا بد من الاستثمار في الاقتصاد، الولة تقليدياً في بداية التسعينات استطاعت أن تحقق معدلات نمو نتيجة تدفق أموال المانحين، كذلك الانخفاض الكبير خلال العشر سنوات الماضية في أموال المانحين ساهم كذلك في انخفاض معدلات النمو.

 

وحتى نستطيع تعويض ذلك، فأنه يتم من خلال مزيد من أموال المانحين، أو من خلال الاستثمار في الاقتصاد، لذلك فإن المخرج من هذا التراجع الكبير في معدلات النمو هو مزيد من الاستثمار، ونحن نرى أننا بإمكانياتنا المتواضعة في صندوق الاستثمار لنا دور في هذا الموضوع.

 

لكن هناك مؤشرات أخرى مقلقة، مثل الطاقة، فإننا نستطيع القول أنه لا يوجد أمن طاقة في فلسطين، بسبب أن حوال 90% من موارد الطاقة مستوردة، سنويا يتم استيراد 1 مليار دولار من الطاقة من إسرائيل، كل كهرباء الضفة الغربية (عدا عن بعض مشاريع الطاقة الشمسية) يتم استيرادها من إسرائيل. وبالنسبة للأمن  الغذائي، فإنه سنويا يتم استيراد 500 مليون دولار خضار وفواكه أغلبها من إسرائيل أو من خلالها، المؤشر الثالث المقلق هو البنية التحتية المتهاوية والمتراجعة، وخاصة البنية التحتية اللازمة للتجارة، بما في ذلك موانىء ومطارات ومراكز تخزين البضائع كلها ليست بالمستوى المطلوب، والمؤشر الرابع هو ما سماه البنك الدولي في تقريره الأخير عن اقتصادنا بتسمية (اقتصاد مستورٍد)، فبحسب  التقرير الأخير الذي نشره البنك الدولي، فإن 57% من الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد الفلسطيني هو مستورد، وفقط 18% صادرات، يعني أن حجم الوارد أكبر بثلاث مرات من حجم الصادر، وهذا مؤشر خطير.

 

وفي هذا السياق، فإننا نتحدث عن اقتصاد نموه بطيء، وبطالة عالية، غياب أمن الطاقة والأمن الغذائي، بنية تحتية غير ملائمة، ووجود فجوة كبيرة ما بين الاستيراد والتصدير. وهذه أسباب موجبة للقلق للجميع كسيسيين ورجال أعمال ومخططين ومواطنين، حيث أن هذه المعطيات تؤدي إلى نتيجة واحدة هي أن هناك مسؤولية تقع على عاتق الجميع والقائمين على البلد والاقتصاد وأصدقاء فلسطين الذين يهمهم بناء الدولة المستقلة، فهناك قلق على استمرار الوضع بدون أي تغيير أو تحرك كافي في هذا الاتجاه.

 

هذا هو الإطار الاقتصادي الذي نعيش فيه، وهو ما يؤثر على حياتنا الآن وكل أفعالنا في المستقبل، ونحن في صندوق الاستثمار الفلسطيني اتضح لنا أن هدف العائد على الاستثمار لن يكون هدفاً كافياً، لذلك، ارتأينا أن يعمل الصندوق كمحفز وكمنصة لتحقيق مجموعة من الأهداف من خلال مجموعة من التدخلات الاستراتيجية والشراكات المحلية والخارجية، وبالتكامل مع الحكومة من أجل بذل الجهد في اتجاه تغيير الوضع القائم فإننا قد استطعنا تحقيق خطوة إلى الأمام.

 

من هنا، فإن هدف الصندوق ليس فقط تحقيق عائد الاستثمار – وهذا ضروري- بل الأهم من ذلك هو إحداث أثر إيجابي، بمعنى المساهمة في تغيير المؤشرات التي ذكرناها سابقاً ومضاعفة حجم الاستثمار عدة مرات في الوطن، وفي تقديرنا أن زيادة حجم الاستثمار مهمة، وذلك لتحسين معدلات النمو الاقتصادي وتوفير المزيد من فرص العمل، وهذا كان أحد الأهداف التي نجح الضندوق في تحقيقها، حيث أن أصول الصندوق اليوم أقل من مليار دولار، لكن البرنامج الاستثماري الذي ينفذه الصندوق حجمه حوالي 5 مليار دولار حيث أن كل مشروع ينفذه الصندوق بالشراكة مع أطراف عديدة، وتختلف نسب هذه الشراكة بالإضافة إلى ثقة المستثمرين الآخرين بالصندوق للعمل بالشراكة معه.

 

وكلنا يعلم أن الاستثمار في فلسطين قد ينطوي على نسب عالية من المخاطر، خاصة مشاريع البنية التحتية، ومشاريع لها عائد على المستوى الطويل، لذلك يبتعد المستثمرون عنها، بالإضافة إلى المعوقات التشريعية التي تعيق الاستثمار، لذلك، فإن الصندوق يساهم في تقليل نسب المخاطرة من خلال تشجيع وتحفيز الشركاء على الدخول في شراكات.

 

كما أن الصندوق يعمل على تركيز استثماراته في القطاعات الإنتاجية، على سبيل المثال قطاع الطاقة من خلال إطلاق برنامج كبير للاستثمار في قطاع الطاقة، من بينها محطة كهرباء جنين 450 ميغا واط وهي كافية لسد احتياجات حوالي 50% من احتياجات الضفة الغربية من الكهرباء، وسيكون أثرها كبير وستساهم في تقليل استيراد الكهرباء من إسرائيل إلى حوالي النصف.

 

كذلك، برنامج نور فلسطين الهادف إلى توليد 200 ميغاواط من الكهرباء، وتم إطلاق 3 محطات طاقة شمسية لغاية الآن، في أريحا وطوباس وجنين، وسيتم استهداف المدارس والمؤسسات التعليمية لاستغلال أسطحها لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية، حيث ستكون المرحلة الأولى من خلال 500 مدرسة، كذلك محطة طاقة شمسية بقدرة 100 ميغاواط، لنأمل أن تساهم هذه البرامج في تقليل الاعتماد على استيراد الكهرباء من الجانب الإسرائيلي.

 

 

نستطيع القول أن هناك مجموعة من القطاعات لا بد التركيز عليها حتى يتحول اقتصادنا إلى اقتصاد منتج واستيراده قليل وصادراته أكبر ومعدلات النمو أكبر، ويعتبر قطاع الزراعة قطاعا واعدا بالرغم من تراجع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي لأسباب منها عدم التركيز عليه من قبل المستثمرين والمانحين إلى جانب محدودية الأرض وتصنيف الأراضي وأسباب لها علاقة بالتصدير وتوفر المياه، لكن لا بد من تحويل هذا القطاع إلى قطاع منتج، وليس من الضروري من خلال الطرق التقليدية.

 

وبالتالي نلخص أن الصندوق يحاول أن يكون له تأثير، ليس من خلال تحقيق العائد على الاستثمار بل من خلال أن يكون مساهماً مهما في زيادة الاستثمار في قطاعات مهمة.

 

مؤخراً، تمت إعادة هيكلة الصندوق إلى 4 شركات أو 4 صناديق، شركة عمار تركز على الاستثمار في القطاع العقاري والسياحي، شركة شراكات للاستثمار في الشركات الصغيرة والمتوسطة بالتركيز على قطاع الزراعة والصناعة الخفيفة والتكنولوجيا، وشركة مصادر للاستثمار في قطاع الطاقة والبنية التحتية، وشركة أسواق وهي عبارة عن محفظة استثمارية كبيرة نستثمر من خلال في الشركات الفلسطينية القائمة والتي تريد النمو والتوسع وهي تستثمر في شركات كبيرة مثل الوطنية موبايل، شركة سند، شركة أيبك ومجموعة من البنوك، وهي الشركة التي تحقق العائد الأعلى.

 

ومثلما ذكرنا في البداية، نريد التركيز على موضوع الإبداع والريادة في الاقتصاد الفلسطيني، وبالرغم من أننا مجتمع صغير ومحاصر إلا أننا منفتحون ونتأثر على العالم، ولا ندعي أننا بمعزل عن الوضع العالمي، ونحن مضطرون إلى التطور وبناء اقتصادنا والاستفادة من الثورة التكنولوجية، وكل بلد تستفيد من التكنولوجيا بما يتواءم مع خصوصية هذه البلد، على سبيل المثال من الأهمية بمكان استغلال التكنولوجيا في تطوير قطاع الزراعة، كما أننا قطاع البنوك مزدهر في فلسطين وهناك تطور هائل في العالم على صعيد البنوك، كما أن  قطاع التعليم له نصيب كبير من هذا التطور، وهناك مسؤولية مشتركة على استغلال هذا التطور التكنولوجي، ونحن في الصندوق لنا مساهمة في هذا المجال لتحسين استخدام التكنولوجيا بما ينعكس على اقتصادنا ويخلق فرص عمل في المستقبل.